ابن كثير

140

البداية والنهاية

أرسل إليه : من المعهود من الملوك أن التجار لا يقتلون لأنهم عمارة الأقاليم ، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة ، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك فقتلهم نائبك ، فإن كان أمرا أمرت به طلبنا بدمائهم ، وإلا فأنت تنكره وتقتص من نائبك . فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيزخان لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عنقه فأساء التدبير ، وقد كان خرف وكبرت سنه ، وقد ورد الحديث " اتركوا الترك ما تركوكم " فلما بلغ ذلك جنكيزخان تجهز لقتاله وأخذ بلاده ، فكان بقدر الله تعالى ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب منها ولا أبشع ، فمما ذكره الجويني أنه قدم له بعض الفلاحين بالصيد ثلاث بطيخات فلم يتفق أن عند جنكيزخان أحد من الخزندارية ، فقال لزوجته خاتون أعطيه هذين القرطين اللذين في أذنيك ، وكان فيهما جوهرتان نفيستان جدا ، فشحت المرأة بهما وقالت : أنظره إلى غد ، فقال إنه يبيت هذه الليلة مقلقل الخاطر ، وربما لا يجعل له شئ بعد هذا ، وإن هذين لا يمكن أحد إذا اشتراهما إلا جاء بهما إليك فانتزعتهما فدفعتهما إلى الفلاح فطار عقله بهما وذهب بهما فباعهما لاحد التجار بألف دينار ، ولم يعرف قيمتهما ، فحملهما التاجر إلى الملك فردهما على زوجته ، ثم أنشد الجويني عند ذلك : ومن قال إن البحر والقطر أشبها * نداه فقد أثنى على البحر والقطر قالوا : واجتاز يوما في سوق فرأى عند بقال عنابا فأعجبه لونه ومالت نفسه إليه فأمر الحاجب أن يشتري منه ببالس ، فاشترى الحاجب بربع بالس ، فلما وضعه بين يديه أعجبه وقال : هذا كله ببالس ؟ قال وبقي منه هذا - وأشار إلى ما بقي معه من المال - فغضب وقال : من يجد من يشتري منه مثلي تمموا له عشرة بوالس . قالوا : وأهدى له رجل جام زجاج من معمول حلب فاستحسنه جنكيزخان فوهن أمره عنده بعض خواصه وقال : خوند هذا زجاج لا قيمة له ، فقال : أليس قد حمله من بلاد بعيدة حتى وصل إلينا سالما ؟ أعطوه مائتي بالس . قال : وقيل له إن في هذا المكان كنزا عظيما إن فتحته أخذت منه مالا جزيلا ، فقال الذي في أيدينا يكفينا ، ودع هذا يفتحه الناس ويأكلونه فهم أحق به منا ، ولم يتعرض له ( 1 ) قال واشتهر عن رجل في بلاده يقول أنا أعرف موضع كنز ولا أقول إلا للقان ، وألح عليه الامراء أن يعلمهم فلم يفعل ، فذكروا ذلك للقان فأحضره على خيل الاولاق - يعني البريد - سريعا فلما حضر إلى بين يديه سأله عن الكنز فقال : إنما كنت أقول ذلك حيلة لأرى وجهك . فلما رأى تغير كلامه غضب وقال له : قد حصل لك ما قلت ، ورده إلى موضعه سالما ولم يعطه شيئا . قال : وأهدى له إنسان رمانة فكسرها وفرق حبها على الحاضرين وأمر له بعدد حبها بوالس ثم أنشد :

--> ( 1 ) في هامش المطبوعة : وجد في هامش التركية ما نصه : هذا منقول عن ابنه قان الذي قام مقامه . ولعله هو الصحيح لان قان هذا المنسوب إلى الكرم الجبلي العظيم والسخاء المفرط . ويحكى عنه حكايات عظيمة في هذا الشأن . وأما أبوه جنكيزخان فإنه متوسط في الجود بل وفي سائر سجاياه وأخلاقه وأفعاله إلا في أمر سفك الدماء قبحه الله تعالى .